ابن كثير

432

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

آثار عمله ووقفه ، وقد قال تعالى : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ [ يس : 12 ] الآية . والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من سعيه وعمله . وثبت في الصحيح « من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا » « 1 » . وقوله تعالى : وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى أي يوم القيامة كقوله تعالى : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ التوبة : 105 ] أي فيخبركم به ويجزيكم عليه أتم الجزاء إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وهكذا قال هاهنا : ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى أي الأوفر . [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 42 إلى 55 ] وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ( 42 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ( 43 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا ( 44 ) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 45 ) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ( 46 ) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى ( 47 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى ( 48 ) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى ( 49 ) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى ( 50 ) وَثَمُودَ فَما أَبْقى ( 51 ) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى ( 52 ) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى ( 53 ) فَغَشَّاها ما غَشَّى ( 54 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ( 55 ) يقول تعالى : وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى أي المعاد يوم القيامة . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سويد بن سعيد ، حدثنا مسلم بن خالد عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون الأودي قال : قام فينا معاذ بن جبل فقال : يا بني أود إني رسول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليكم ، تعلمون أن المعاد إلى اللّه إلى الجنة أو النار . وذكر البغوي من رواية أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله : وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى قال : لا فكرة في الرب . قال البغوي : وهذا مثل ما روي عن أبي هريرة مرفوعا « تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنه لا تحيط به الفكرة » . كذا أورده وليس بمحفوظ بهذا اللفظ ، وإنما الذي في الصحيح « يأتي الشيطان أحدكم فيقول : من خلق كذا من خلق كذا ؟ حتى يقول : من خلق ربك ؟ فإذا بلغ أحدكم ذلك فليستعذ باللّه ولينته » « 2 » وفي الحديث الآخر الذي في السنن « تفكروا في مخلوقات اللّه ولا تفكروا في ذات اللّه تعالى فإن اللّه خلق ملكا ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة ثلاثمائة سنة » أو كما قال : وقوله تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى أي خلق في عباده الضحك والبكاء وسببهما

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في السنة باب 6 ، والنسائي في الزكاة باب 64 ، وابن ماجة في المقدمة باب 14 ، 15 ، وأحمد في المسند 2 / 380 ، 397 ، 505 ، 521 . ( 2 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب 11 ، ومسلم في الإيمان حديث 214 .